‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

22 مايو 2010

موناليزا المطار!!



حلما فرغت من إعادة ترتيب حقيبة يدي وأنا جالس وسط زحام الركاب، بعد أن تعطلت رحلتي بطائرة شركة الطيران "كالعادة" جلست انظر للناس كل يجتهد في إضاعة الوقت، البعض يرمق للساعة العملاقة بصالة الانتظار والبعض يثرثر مع البعض الآخر، أما القلة القليلة هي من تعرف كيف تنام وسط كل هذه الفوضى"كم أحسدهم"، أطفال يلهون هناك ورضع يطلقون صرخات البكاء من الجوع أو الملل، ونساء تثرثر عن كل شي ابتداء من النميمة حول آخر الفضائح والأخبار وشؤون الطبخ وانتهاء بشتم أزواجهم سرا وعلانية!!

مللت من الانتظار وفكرت في أن ابتعد قدر استطاعتي عن المكان، وحسبما أعلنت موظفة الميكروفون إن الدخول للبوابة سيكون بعد ساعتين، عموما اخترت مقعدا بعيدا بالكاد أرى فيه بوابة الدخول، وهناك فقط انتبهت بوجود قلم الرصاص المفضل لدي، أخرجت كراستي الصغيرة ورحت أفكر برسم شيء ما، لا أدري هل أرسم طائرا جميلا أم أرسم بيتا ريفيا، وبينما أتوهم بأنني فنان تجلس أمامي مباشرة فتاة كادت أن تحبس أنفاسي من شدة جمالها، شعر أسود غزير السواد كالليل وقوام ممشوق كعود خيزران، حتى طريقة جلوسها تفتن المارة ببراءتها القاتلة!!

وجدتها سأرسمها وفكرت بيني وبين نفسي أن أقدمها لها كعربون إعجاب، رحت أجتهد ارسم الأنف الدقيق والأعين الواسعة السواد، والشعر الحريري الأسود أما قميصها الأبيض المزركش، سعيت ألا أفسد رسمه وأنسى جسدها الرائع، وأنا أرسمها نسيت تماما أين أنا وكم هي الساعة، لا يهم ما يهمني أن أرسمها بسرعة قبل الإقلاع وأفوز بابتسامة منها على الأقل، أعلم طموحي بسيط لكن على الأقل هو طموح يسحق المحاولة.

ها أنا أصل لنهاية اللوحة التي أقسم بأن لو كان ليوناردو دافنشي بجانبي لا اعترف بهزيمتي له وبأني فنان أملك الحس أكثر منه، حينما رسم الموناليزا وخلط بين رسمه لها وبين ملامحه وهو يكملها لمدة ثمانية سنوات، ااااه لو كان بيتهوفن لقام بتلحين مقطوعة خاصة عن تلك اللحظة التي أعيشها مع تلك الفتاة.

لكن هل تتكلم العربية أم إنها اسبانية، أشك بأنها من سكان الأرض، بل هي من قصص الخيال التي أكرهها لأني لن أجد من فيها من أبطال ،على أرض الواقع، ها هو توقيعي على اللوحة سأقترب منها، سأرى إن لاحظ أحدا ما بأني مهتم بشأنها، فالركاب غالبا ما تجد فيهم الفضول بمتابعة الشباب أمثالي وهم يسعون لنيل إعجاب فتاة حتى لو كانت قبيحة المنظر!!

تعلن شركة الطيران عن فتح بوابة الإقلاع على متن الرحلة 582 المغادرة إلى...، اوووه سيبدأ الركاب بالتحرك علي بالإسراع للوصول للفتاة، فجأة الجميع ينهض ويتحرك بسرعة وكأن الطائرة ستقل أول الداخلين إليها فقط، أصبحت الفتاة بعيدة جدا عني بسبب المارة الحمقى، لو سمحتي أرجوك اقبلي مني هذه اللوحة تفضلي؟

أمسكت باللوحة ونظرت لي بخجل، ودخلت الطائرة وبعد أن وضعت حقيبتي في الخزانة العلوية، جلست أدقق النظر كالأطفال من النافذة أرى العاملين يجهزون الطائرة والمدرج، بينما الركاب يخلقون الفوضى مجددا داخل الطائرة، لو كان الأمر بيدي لرميتهم من الطائرة، لحظة لحظة إنها تجلس خلفي بثلاثة مقاعد على اليسار، سأتمكن من اختلاس النظر كلما أردت دونما تشعر بذلك.

وصلت الطائرة أخيرا سأسعى للوصول إليها وألقي عليها جملة "الحمد لله على السلامة..أي خدمة؟"، في الحقيقة فشلت في الوصول إليها وانتظرت حتى نقف لاستلام حقائبنا، سأحمل حقائبها وأتعارك مع الجميع من أجل الحصول على ابتسامة منها"سأقلص طموحي"!!

"إذا سمحتي لي سأجمع لك الحقائب؟" أعطتني بعد أن حاولت رفض طلبي وقالت "لي حقيبتان الأولى صفراء والثانية سوداء"، أخذت أشق الطريق وأنجز المهمة وكأني مصارع ثيران، وأريد أن أفوز بتصفيق حار من الجماهير الغفيرة، ها أنا أنهي المهمة بعدما تركت خلفي بعض الركاب يسبونني، "تفضلي ها هي حقائبك"
وأنا في غمرة السعادة وبانتظار الابتسامة الساحرة قالت لي "شكرا لك سيكون زوجي سعيدا بخروجي إليه بهذه السرعة..بالمناسبة أشكرك على الرسم الجميل".

بدر بن غيث
12 أبرل 2010