17 فبراير 2009

المدينة والذئاب (قصة حلمت بها)!!





قبل أن تقرأ؟

هذه القصة برموزها وأسماءها وأمكنتها وأزمنتها لا تنطبق على أرض الواقع، بل هي خيال نسجه الكاتب من واقعه!!

إهداء

إلى كل من أحب وطنه...


مقدمة لا بد منها؟!

لم أكن أرغب في كتابة قصة بهذه السرعة، ولم أشأ أن أنشر قصة لي كما كنت راغبا وبشدة على نشر هذه القصة!!

ستسألني عزيزي القراء الكريم لماذا كتبتها؟

وجدت نفسي في صباح يوم الاثنين الموافق 7 يناير من عام 2008، مستيقظا من دون رغبة لإكمال نومي الذي أهرب به من صباح قارس ببرودته، وثقيل بمهامه حيث علي الاستيقاظ والتوجه لعملي كمعلم ومراقب على اختبارات نهاية الفصل الدراسي، فرغم قرب المسافة بين منزلي ومقر المدرسة التي تقع في ذات المنطقة، إلا أنني أجد المسافة كبيرة حيث تعد أيام الاختبارات هي الأكثر تعبا وإرهاقا لما أراه من جو خانق يعيشه الطلبة والجميع في المدرسة، وهو حال جميع المدارس في الكويت، وعشت ذات الوضع عندما كنت طالبا بنفس المدرسة!

عموما حتى لا أهرب من الإجابة، نعم وجدت نفسي بذلك الصباح راغبا في كتابة قصة عما دار ويدور في خيالي من قصة أراها وكأنها فيلم سينمائي أو مسرحية مرعبة يعم السواد فيها وصوت الذئاب الجائعة ينهش في أذني كل ما رأيته!!

أي ذئاب وأي مسرحية وأي فيلم؟! نعم عشت قصتي التي لم تطل سوى 10 دقائق تقريبا وكأنها 10 ساعات، حتى الزمن فيها تعطل أما المكان فكان مزجا غريبا موحشا بين الواقع والخيال المرعب، وما أن فقت من هذا الفيلم حتى استرجعت نفسي وذاكرتي ورحت أخرج بسرعة حتى لا أتأخر عن العمل، راغبا في إنهاء عملي بأسرع ما يمكن للعودة لغرفتي وكتابة ما شاهدت في ذلك الصباح الذي تحول إلى ليل أسود في وضح النهار.

ستجد في قصتي تناقضات عدة..ألغاز عجزت أنا نفسي عن حلها؟!..لا أعرف إن كانت نهاية قصتي حزينة أم سعيدة أو حتى كان لقصتي نهاية لأنها باختصار لا أعتقد بأن لها نهاية بل هي بداية لقصص أخرى، أخشى أن تراودني في أيامي القادمة!!

بدر بن غيث
7 يناير 2008
















تنويه القصة طويلة اعتذر ولكن ستقرأ كل ما سجلته دون مونتاج او إضافة مصطنعة!



الذئاب تتحرك لكني لا أراها، أسمع أصواتها تتحرك بسرعة خاطفة يشاركها الظالم في صنع هالة من الهلع والخوف، أما أنا فلست واقف أو طائرا كأنني أقف بعيدا أصور ما يجري!! احدهم يصرخ: أهربوا اهربوا.. إنهم قادمون!! اختبئوا ..اختبئوا؟؟ اااااااااا ماذا ذئب أين هنا لا هناك.. لا بل هناك.. يا آلهي إنهم ثلاثة ذئاب لا بل أكثر عددهم يتكاثر؟! أنا محاصر!! أنقذوني أنقذوني..

تقترب الذئاب منه وتهجم عليه بشكل جماعي لم تدع له سبيلا للهرب، أشلاء تتطاير ودم يسيل بغزارة، وما أن دققت النظر حتى اكتشف أنها ليست ذئاب بل شكل لا يوصف ذئاب ممسوخة أكاد اعجز عن إيجاد وصف لها، فعيونها الحمراء وأفواهها ذات الأنياب المتداخلة المرعبة المليئة بدماء ضحاياها، أما أجسادها فهي متعددة ومتنوعة في الطول والقصر، لا أملك مجالا لوصفها إنها تتحرك بسرعة وتنهش بطريقة مهما اجتهدت في تصويرها سأعجز!!

استيقظت الضحية وكأنا كانت نائمة، ماذا تحولت إلى ذئب ممسوخ كغيره من الذئاب، أكاد أجن ماذا يجري؟! أنا اكره أفلام الرعب وأخشى متابعتها والآن يبدو أنني أسير أحد هذه الأفلام!!، ثوان قليلة وتبدأ الذئاب بالانسحاب أو بالأحرى تبحث عن ضحايا في مكان آخر، موسيقى جنائزية أسمعها أما المكان فأشبه بقرية صغيرة وخلفها أطلال مدينة مدمرة شر تدمير، حتى قنبلة هيروشيما لم تخلف ورائها مثل هذا الدمار!!

أحدهم يقترب وبيده مصباح (سراي) يمشي بحذر كبير لا أستطيع أن اكشف من يكون، يحاول التأكد من رحيل الذئاب.. لحظة من قال بأنها ذئاب!! أوووه لا أعلم كيف أصفها!! يجب أن أتوقف عن التفكير؟ يقترب أكثر وبعد إحساسه بالأمان ينادي بصوت خافت..

-يا جماعة أخرجوا هيا لقد انسحبوا، أخرجوا المكان آمن.

بالفعل خرجت مجاميع من الناس أطفال وشيوخ ونساء ورجال بعضهم جرى ثكلى والبعض الآخر ممزق الثياب أو حتى نال منه الغبار، يتجمهر الناس ويشكلون حلقة شب مغلقة، أما من تكلم معهم وفظل في منتصف الحلقة ممسكا بإحكام بمصباحه، يتفقد الناس أنا نفسي لا أعرف كم عددهم أو من هم؟ .. أحدهم يصرخ من شدة الألم قائلا..

-آآآآآآه أكاد أن أموت لا أستطيع أن أتحمل أكثر، ساعدوني؟!

ما أن صمت حتى بدأ غالبية الحضور بالصراخ والبكاء، وعاد صاحب المصباح ليتحدث معهم.

-ماذا جرى لكم هل جننتم؟.. بعد قليل لن نستطيع الصراخ لأن الوحوش ستعود وتأكلكم جميعا.. اصمتوا علينا أن نفكر في طريقة نتخلص فيها من الوحوش؟! ليرد عليه الناس بعشوائية وغوغائية؟!

-إنك لمجنون؟! كيف سنتخلص منهم؟! نحن بالكاد نبرع في الهروب والاختباء، وليس جميعنا بل معظم من تبقى منا؟!، أما أصحابنا وأهلنا الضحايا فتحولوا إلى وحوش أكثر شراسة من الوحوش أنفسها!!

- أنا مجنون؟! نعم أنا مجنون الذي أريد تخليصكم من هذا العذاب، انظروا إلى أنفسكم ألا تشعرون بالخزي وانتم تهربون؟! إلى متى سنظل نهرب؟ وإلى أين سنهرب أو سنختبئ؟! كما تعلمون لم يعد بقريتنا مكان للاختباء، كل شي أصبح مساويا للأرض، حتى مدينتنا الكبرى، الحرائق تلتهمها منذ ثلاث شهور حتى المطر عجز عن إطفائها!!

- وماذا عسانا فاعلين؟! أخبرنا إن كنت تعرف مخرجا من هذا الظلام؟

وقبل أن يتكلم عادت أصوات الوحوش الضارية وكأنا اشتمت رائحة اللحم البشري، بدأ الجميع يرتجف خوفا الدم يتجمد في العروق حتى الصراخ البديهي من الأطفال والنساء، لم يخرج لأنم نسوا كيف هو الصراخ؟! لقد علمتم الوحوش ألا يصرخون وإلا لن يهربوا بل سيظل في أماكنهم حتى تأتي وتلهوا بالبشر.

أما أنا فوجدت نفسي مع هذه الجموع، حتى ظننت أنني أعرفهم حاولت الحديث معهم لكني كخيال الظل موجود لكن لا ينطق، وجاءت اللحظة الأكثر رعبا!! لم أجد من يقف بجانبي الجميع هرب إلا أنا.. لا اعرف إلى أن اختبئوا وكيف؟ ثلاثة وحوش أو ذئاب تحوم حولي بدأت أحس بأنيابها بقرب ساقاي!! أخذت نفسا عميقا وكأنني أغوص في البحر.. أي بحر هذا أتذكره الآن وأنا بين الذئاب.. إنها تستطيع الوقوف على قدماها كالبشر شعرت بأنني تتلذذ بتعذيبي تريدني أن أصرخ تريد مني أن أقول لها أرجوك اجعليني ميتا في الحال دون عذاب!!

يا الهي سأتحول لحفلة ها هو ذئب آخر ينضم للبقية، رغم أنه أقل هيبة من البقية في الحجم إلا أن مشيته المتعالية تدل على قوة كامنة ونظراته التي تبث السم في النفس، اقترب مني وراح ينفخ يكشر عن أنيابه الصفراء الملطخة بالدماء، لا أعلم كيف سجلت كل هذه الملاحظات الدقيقة عنه، إن يتحدث مع رفاقه أستطيع سماع ذلك لم تكن لغتهم خاصة بل استخدم اللغة التي أتحدث بها معكم بل يجيدها بطلاقة، ورغم هذا لم يكن كل الذئاب تتكلم كان هو المتحدث أما البقية فتنصت بخشوع!

- اسمعوا.. إنها فرصتكم لإثبات ولاءكم لي ولبقية الرفاق؟.. أعلم أنك نجحتم في قتل العديد منم، وبث الرعب في قلوبهم لكن هذا لا يكفي؟! هناك يقاوم أريدهم أمواتا أو تحويلهم لجنود لنا، لا يهم كيف تصلون إليهم..المهم عندي أن ننهي مقاومتهم..

- سيدي بعضهم يتسلح بإيمان قوي، وقلب من حديد!!
- اوووووووه اسكت يا أبله.. أريدكم أن تدمروهم شر تدمير فروقهم لا تجعلوهم يختبئون مع بعضهم البعض.. هكذا أفضل سنضمن استسلام الضعفاء منهم، أما النساء والأطفال فلن أخبركم ما انتم فاعلين بهم؟!
- أجل يا معلمي نحن تلاميذكم ولن نخذلك..
-الآن علينا مهاجمتهم، عليكم بالقرية ابحثوا جيدا عن أبي سليمان!! لطالما أردته واحد منا!!
-سيدي.. أ..أ..أ..
-تكلم ماذا بك؟! يا أحمق؟!
-سيدي إنه قوي لا يخشى من أحد ولا يختبأ رغم كبر سنه!!
-اعلم هذا إنه مؤمن قوي صلب، يعلم نقاط ضعفنا يا له من رجل مدهش!!
-سيدي.. هل تعرفه جيدا؟
-نعم يا غبي أعرفه جيدا..كنت اعمل معه في مكتبته الصغيرة، كنت بشرا مثله اعمل لديه، كان مثاليا لا يحب أن يجرح أحد أو يخطأ بحق أحد مما كان صغيرا أو كبيرا..أما أنا فكنت مترديا أحيانا، رآني ذات مرة أسرق من الدكان المجاور بعض الأطعمة عندما كان عمري صغيرا، لم يوبخني بالضرب مثل أبي، بل راح يملي علي النصائح المواعظ، أحينا أبكي لأن حديث كسوط يؤلمني، لكن رفاقي كانا يتحدياني كثيرا، حتى هربت معهم من المدرسة ذات مرة، وهنا تحولت إلى عدو له رغم محاولاته إصلاحي، كان ينصحني بإتباع القوانين واحترام الناس إلا أنني لم أطعه كنت أرى في سلوكا قوة يخشاها الكثيرين من حولي، لا أعرف لما هو طيب مع الناس لقد كانوا قساة معه، غالبا ما أردت أن أكون الأقوى صاحب النفوذ، كبرت أصبحت شابا واستطعت أن أكون الساعد الأيمن لأحد المتنفذين، علمني ذلك المتنفذ إنه لا شيء يعلو على القانون سوى القوة والمال، حتى طيبة القلب بالإمكان استغلالها لتحقيق المصالح الضيقة، كنا نحول كل شيء جميل إلى قبيح لا يتم كشفه إلا بعدما نكون قد اجهزنا على الخير الذي فيه، ولطالما حاول البعض كشف شبكات التخريب، كنا نسعى لملاحقته سواء نشتريه بأموالنا أو نغريه بمنصب أو بغيرها من الوسائل كل هذا حتى لا يكشف مخططنا الكبير...

-لا اعلم لماذا ثرثرت معكم أيها الحمقى.. هيا هيا اذهبوا وابحثوا عن بشر هنا أو هناك، ولمن يجد أبو سليمان سأكافئه خير مكافأ’؟

انصرفت الذئاب أما أنا فبقيت في مكاني لا أصدق ما سمعته وغير مصدق كيف أنهم لم يجعلوني وليمة لعشائهم!! حاولت البحث عن احد المختبئين، لكن دون جدوى القرية شبه خالية كأن وباءا حل بها، كانت هذه فرصتي بالهرب لكن لا اعلم إلى أين فانا هبطت من موقعي كحالم إلى احد أبناء القرية، حتى أنني غريب بينهم والمدينة طريقها ليس بالهين اجتيازه، رغم هذا سأحاول الوصول إلى أي مكان آمن.

بين صمتي وانطلاقة جملتي الأخرى بيني وبين نفسي، أسمع الذئاب تنهش بأبناء القرية التي صرت أنا أحد أبناءها شئت أم أبيت، وعويل الذئاب يصعب علي التفكير بأي شي، لا مخرج من الظالم الحالك، كل شيء أسود وفي أحسن الأحوال لون البنفسج أو الرمادي هكذا كانت الألوان، وفي تجوالي رأيت القرية وهي تعيش لحظاتها الأخيرة قبل أن تدفن، فالركام والجثث لا تدع لي مجالا للتفكير بأن هذه القرية ستعيش أكثر مما عاشت من لحظات رعب خاطفة.

لقد عادوا مجددا أبناء القرية وهذه المرة معم شيخ كبير ممسكا بكتاب ومصباح (سراي) وخلفه أبناء القرية، بعضهم يقرأ من كتب تكاد تكون موحدة، وكأنهم موكب من التلاميذ يقودهم معلم، كنت أسمع ترانيم وتمتمات لا أفهمها، لكنها كانت ذي لحن يأسر السمع، كأنهم يعزفون على آلالات موسيقية عذبة الصوت وصاخبة التأثير على العقل والقلب، النساء والرجال والأطفال جميعهم متسلحين بتلك الكتب، لم يحمل أحدهم أي سلاح حاد، إنهم مجانين هل سيقاتلون الذئاب بهذه الترانيم والكتب، أخشى أنها نزعة انتحار جماعي تملكتهم!!

وقف الشيخ الكبير يخاطب من حوله يقول..

-لا أعتقد بأن الخطابات ستفي بالغرض إن التاريخ سيسجل اليوم صفحة جديدة لقريتنا ومدينتا، فمن يقوى على المضي فليقف أما من يجد نفسه في هذه اللحظة عاجزا عن مواصلة الطريق، فلن نحزن عليه فطريقنا لا رجعة فيه إطلاقا ..أطفالي اعلم أنكم سمعتم عن أجدادكم كيف صبروا وتحملوا وبنوا هذه القرية الصغيرة حتى تحولت لنواة لمدينتنا العظيمة رغم صغر مساحتها، اعلم أحبائي أنكم درستم وعرفتم الكثير من القصص والمعارك، لكنكم اليوم أمام معركة ستكون حاسمة والفيصل بين ما كنا عليه وما سنكون عليه.. بناتي العزيزات الأمهات لقد حانت اللحظة بان نساهم في ولادة تاريخ مشرف لنا نحن، فالرجال وحدهم وأنا منهم سنعجز عن تحدي هذه اللحظة من دونكن، أما أبنائي الشباب والرجال فلا داعي بأن أقول إن هذه المعركة هي معركتكم الكبرى، فمتى ما عرفتم عدوكم جيدا ستعرفون كيف تهزمونه شر هزيمة، لا شك إنكم تتساءلون أين ذلك السلاح وأين تلك المعركة، بما أن العدو قد عرفناه، لكنكم في الحقيقة لا تعرفون من هو العدو الحقيقي الذي تواجهونه؟، لا تغركم الذئاب والوحوش الممسوخة فهذه الخيالات صنعناها بأنفسنا، واعتقدنا بأنها حقيقية نعم لا أنكر بأن الدماء حقيقية لكن والخراب الذي حل بنا حقيقي وواقع، إلا أن العدو الحقيقي هو الخوف من المواجهة، الخوف من إعلاء كلمة الحق، عدوكم تذكروه جيدا كيف خلق بينكم الضغينة والحقد حتى فقدتم الأمن ما عدتم كما كنتم صف واحد، تفرقتم وراء همومكم الخاصة ومصالحكم.. ألا تذكرون كيف نسيتم حقوقكم وواجباتكم وحين تذكرتم ذلك كنت قد بعتم أغلى ما تملكون..إنه الوطن نعم لقد باع الخونة منا هذا الغالي، وبقينا نحن لا نفرق بين الخطأ والصواب حتى ضاع الوطن، وحينما جاءت الذئاب تطالب بباقي الوطن وهو أنتم صرتم ضعفاء، فلم يبق منكم سوى قلة متمسكة ببعضها البعض، تصون حقوقها وحقوق غيرها، كنت وغيري نبشركم بالنصر على هذا الظلام، فسخر البعض منا ومن مبالغتنا بذلك الظلام.. اليوم يا فقط سنتوقف عن الكلام ونبدأ نترجم ما قرأتموه من تاريخ وعبر، ونمسك بما ضحى من أجله الأجداد والآباء، لهذا دعونا نتحرك لنهاجمهم هذه فرصتنا وأبقوا جنبا إلى جنب لا فرق بين صغير أو كبير غني أو فقير حان وقت التلاحم، هيا أين الشباب كونوا في طليعتنا أنتم ثروتنا الحقيقية انطلقوا.

وبعد هذه الخطبة الحماسية التفت الجميع إلى بعضه البعض، كان الجميع يبكي الكبار قبل الصغار، حتى عاود الشيخ قائلا..

- لا اعتقد الدموع ستفي بعودة الوطن، دعوا الدموع تنهال فرحا بانتصارنا.

تقدم احد الرجال وقال..

أنا سأتحرك اتبعوني يا شباب أستطيع أن أدلكم على مكان تجمع الوحوش نستطيع مهاجمتهم..

لم يترك هذا الرد التفكير لأحد سوى الشيخ الذي أراد أن يقسم الناس إلى مجموعات كبيرة تتوزع على أطراف المدينة، بل يقوم بعض الرجال بمهمة حماية النساء والأطفال والشيوخ بينما يخرج البقية مقاتلا، وعاود ذلك الرجل بتأكيد نجاح خطته في مهاجمة كل الحاضرين للوحوش حيث يتجمعون، دار خلاف بسيط بين هذا الرجل المدعو أبو خالد وبين الشيخ الحكيم أبو سليمان، لم يحاول الأخير التمادي أكثر في الخلاف حتى لا يتشتت الناس وتهبط عزائمهم، وفضل الصمت، اتجهت الغالبية لوجهة أبو خالد فهو معروف مكانته الاجتماعية وكثيرا ما كان يقود العديد من المشاريع وله نفوذه في اتخاذ القرار، هذه الأسباب وغيرها دغدغت مشاعر بعض الناس، فراح يهتف باسم أبوخالد "يحيا أبوخالد ونعم الرجال" هكذا تحركت الجموع خلف أبوخالد، بينما ظلت البقية تقف بانتظار ما سيفعل الحكيم أبو سليمان.


أما أنا فكنت حائرا لا أعلم مع من سأكون، ولكني في الحقيقة أستطيع مشاهدة الفريقان، لهذا فكرت في البحث عما سيفعله أبو سليمان ورجاله، قام أبو سليمان بتسليمهم السلاح الذي كان مخزنا بكميات كبيرة لديه، وقال لهم إنه يطمح بأن تكون هذه المعركة المرتقبة هي الفاصلة لهذه المدينة وشبابها، تحرك الجميع مجددا بقيادة أبو سليمان الذي أشار إلى طريق مختصر يوصلهم للوحوش، في الحقيقة كنت خائفا من ملاحقتهم بهذه السرعة التي رأيتها، ولكن في ذات الوقت أعتقد بأن الحماس سيكفي للقضاء على هذه المحنة.


في طريقهم إلى الوحوش كان الجميع يهتف باسم أبو سليمان، لا اعلم كيف سحرهم ومع هذا كان الطريق المختصر مكشوفا، ولا اعلم إن كانت الوحوش سترانا ومع هذا حل الليل، لحظة أي ليل سيحل وأنا أعيش الليل منذ بداية الحلم، ومع تقدمهم أشار أحد الشباب لضرورة اخذ الراحة، خصوصا وأن أبي سليمان أكد لهم إن الراحة لازمة وضرورية للتفكير بخطة الهجوم، وفعلا أمتثل الجميع لهذه النصيحة، راح الجميع يبحث عن مكان للراحة أما أبو سليمان فظل ينتظر أن يرتاح الجميع ليحدثهم..

-يا شباب الحقيقة إنكم مفخرة لهذه المدينة التعيسة، انظروا ما حل بنا أتعلمون لو كنتم معي لأصطلح حال المدينة، انظروا كيف خطب فيكم أبو سليمان واعتبركم أنتم وراء هذا الوضع البائس، إنه لا يجهد نفسه في العمل سوى التنظير والنقد، أما انتم فلستم بحاجة للنقد عليكم ترجمة الأقوال إلى أفعال وأنا واثق من نجاحكم لا محالة، لهذا علينا الاستعداد وأخذ قصد من الراحة، سأسعى لتوفير الطعام والشراب لكم قبل المواجهة استريحوا الآن.

تأثر الشباب بما قاله أبو خالد حتى أنا اعتبرته يوكل مهمة الدفاع عن المدينة علينا أو قصدي على الشباب، لم يعد زمن الأجيال السابقة نعم بالفعل هذا ما أتلمسه من همسات الشباب الذي بدأ يستعد، لا اعلم أين اختفى أبو سليمان لكن اعتقد بأن رائحة الطعام قادمة، كم هي شهية أطعمة مختلف ألوانها ومذاقها، الجميع راح يأكل ما يشتهي فلا داعي لمعرفة من سيدفع فاتورة هذه الوليمة السلطانية.

خرجت من هذه الوليمة دونما أأكل شيئا، وتوجهت للبحث عن أبي سليمان الذي جلس تحت حائط يقص على الأطفال ما يملكه في ذاكرت من قصص رائعة، بينما كان الرجال والنساء يلتفون حوله، كان يحذر ألا نعتمد على الغرب في شيء علينا الاعتماد على النفس والاعتزاز بذلك ومهما صغر أو كبر حجم العمل فالمهم قيمته، كانت هذه الكلمات كافية بالتبشير بأجيال استوعبت أخطاء من جاء قبلها، كنت أجلس واستمع إلى حكايات الشيخ على الرغم من عدم وصول كل ما يقوله لأذني بل أكد أشعر بالبرد وأنام احلم بهذا الحلم، وحينما التفت للوراء أرى هؤلاء الشباب الذين اقتنعوا بما قاله لهم أبوخالد.


كنت جالسا مع الشباب أسمعهم يحلمون بمعركة قوية انتصروا بها على الوحوش دون خسارة واحد منهم أو سيلان قطرة دم واحدة، وبينما هم وأنا نجلس هجمت علينا الوحوش من كل صوب وحدب، راحت تنهش أجسادهم حتى أن عظام أجسادهم أسمع كيف تطحنها أنياب الوحوش، لم يتبق أحد فإما اختارهم الموت أو أصبحوا وحوشا أشرس من الوحوش نفسها، على تلك التلة وقف الوحش القائد يضحك لكني لا أستطيع أن أراه، وحينما اتضحت ملامحه ظهر أبو خالد!!

كنت أحاول الجري بين أحراش تلك الغابة الخيالية أريد إبلاغ أبو سليمان ومن معه، وحينما وصلت لمكان تجمعهم لم أجد أحدا كان المكان مهجورا تماما وأعتقد بأنهم اختبئوا بعيدا حتى يكبر الأولاد ويخرج منهم شباب يستطيع مواجهة الوحوش يوما ما ويكشفون عن أبوخالد الذي اختبأ معهم هو الآخر!!

استيقظت من النوم أردت العودة للحلم والعيش فيه لأعرف ما جرى بعد ذلك، لكن جرس المنبه رفض ذلك وشن حربا مدمرة وقضى على أي فرصة لاسترجاع هذا الحلم!!

هناك 4 تعليقات:

بتاح ... آلهة الفنون يقول...

اخوي بدر
القصة روووووووووووووعة
سلمت يداك وعقلك
القصة ذات معاني عميقة ودلالات تختفي وراء مسميات خيالية

اعداء الوطن ينتظرون تفرقنا كي يبدؤو الهجوم
وابناء الوطن ضعاف
تربو وكبروا على احلام واوهام مستوردة

ذاب الحق بمستنقع الباطل
وتفرق ابناء الوطن يجرون خلف بهرجة الكلام حتى اصبحوا للاعداء سندا
علموا ذلك او حتى لو كانوا لا يعلمون
فألوان الكذب كفيلة كي تمحوا لون الحقيقة
ومرآة العدو تعهدت بان تضاعف ضوء الشمس كي تعمي بصائر ابناء الوطن

شكرا جزيلا على هذا الخيال الراقي المتشبع باعمق المعاني

ZooZ "3grbgr" يقول...

كل يوم

يزداد اعجابي بقلمك

وبجرأة الكلمات المتوارية

أبدعت بانتقاء الشخوص والتصويرات

وبنسج الخيال الذي يمتطيه القاريء

ساعد بذلك السواد الذي يلف القصة

وأقصد به باكجراوند المدونة

لا أنكر بأنني خفت عندما اعتزموا المواجهه

ولكنه خوف مباح

خوف من المجهول

أخيرا

صدقت حين قلت

إلا أن العدو الحقيقي هو الخوف من المواجهة، الخوف من إعلاء كلمة الحق



سدد الله خطاك على درب الوطن

وسلمت أناملك

كاريكاتير يقول...

مرحبا

للتوضيح هذا كان حلم حلمت فيه في ليلة ذلك اليوم الغامق واعدت كتابته مثلما تذكرته دون نقصان او زيادة..

اعلم مثلما يعلم غيري ان الوطن يحترق وذاكرته هذه الأيام مليئة بالاحزان والأخبار التي تدفع البعض للتحضير لمرحلة الكهف.

الفنانة خديجة

كلماتك الرائعة تدل على انك ضد قوى الظلام..

المدونة عقر بقر

اتمنى اكون جريء مثلما تفضلتي فالبعض يراني دبلوماسي لكن يبدو ان من يصور الواقع ويرسمه يعتبره البعض متهورا او لا يفهم..

بصراحة اخشى على ما تبقى من قلوب المواطنين!!

شكرا عفوا

Manal يقول...

مساء الخيرات
:)

جميل ان ننسج القصص والخيال حول واقع سياسي مرير

ينسي القارئ انه يستنشق سياسة
ويفكر سياسة

الوطن غالي ماله مثيل

ولكل ظالم يوم

سلمت يداك
والحمد لله ان جرس المنبه رن
:)

ولا الحلم راح يدض يمكن بستجوابات
:)

احيي قلمك الجرئ اخي الكريم
والله يحفظك

وبانتظار الاحلام القادمة
بس تاكد ان المنبه على الساعة بالضبط
:)